جديد: الموقع يتذكّر أين توقّفتَ في القراءة والاستماع، ويمكنك حفظ الدروس بزرّ «أضِف إلى المفضّلة». تجد ما بدأتَه وما حفظتَه في قائمتي.

توبة صاحب الرغيف

لأن القصة أرسخ

لأن القصة ترتسم في الذهن، ويتأثّر بها الإنسان ويتفاعل معها أكثر من الكلام النظري المجرّد.

ولذلك أكثر الله في القرآن من القصص وجعلها حكمةً بالغة:

وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَهود: ١٢٠.

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰيوسف: ١١١.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَيوسف: ٣.

فالقصص صورٌ حياتية فيها تجاربُ ووقائعُ ومشاهد؛ يتأثّر بها الإنسان ويقيس عليها ويقتدي.

وهي في الوقت نفسه أوضح وأسهل؛ فالكلام النظري يحتاج قدرًا أعلى من التأمّل لاستخراج العِبَر، وأما الحكاية فالعبرة فيها ظاهرة.

وتأمّل بنية الوصية

ولاحظ أنه بدأ الوصية بقوله: «يا بنيّ، اذكروا صاحب الرغيف»، ثم ختمها بالجملة نفسها.

فهو يريد أن تستقرّ هذه الجملة في أذهانهم؛ فإذا تذكّروها استدعت القصة، واستدعت العبرة.


وقفة: كيف نقرأ سيرة الصحابة؟

وهذا يفتح بابًا مهمًّا: أن سيرة الصحابة رضي الله عنهم تحتوي على إجاباتٍ عن كلّ الأسئلة، وتُغطّي كلّ جوانب الحياة.

ونحن عندنا فجوةٌ كبيرة نحتاج أن نسدّها؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن نُولي هذه السيرة جزءًا ممّا تستحقّ.

مشكلة الانتقائية

لكنّ الذي يقع عادةً أن الخطباء يُركّزون على جانب البطولات والتضحية فحسب.

ولهم في ذلك عذر: فهم يرون تردّيًا في أحوالنا الإيمانية، فيريدون شحذ الهمم عبر هذه القصص.

لكن هنا سؤالان: هل تُؤثّر التأثير المطلوب؟ وهل تكفي؟

فنقلُ هذه القصص قد يُعطي الإنسان قدرًا من الحماس. لكن هل الحماس وحده يُغيّر في بنية الإنسان وينقله من حالٍ إلى حال؟

فكلّ واحدٍ عنده مجموعة مشكلاتٍ ومعوّقات؛ فما لم يضع يده عليها ويعرف كيف يُعالجها، لن يتغيّر.

وضرران آخران

الأول: أن كثرة التكرار تُستهلك مع الوقت؛ فتُؤثّر مرّةً واثنتين وثلاثًا، ثم لا تعود تفعل شيئًا.

الثاني — وهو الأخطر: أنها تُوسّع المسافة بيننا وبينهم.

فينتهي الأمر إلى أن يُقال: هذه نماذج عظيمة، وحقٌّ لهم أن يكونوا كذلك — فقد كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظروفهم وزمانهم كان يُساعد.

أو يُقال: هذه نماذج خارقة للعادة لا نقدر عليها؛ فالزمان غير الزمان، ونحن في آخر الزمان.

فنكون قد أبطلنا الفائدة من حيث أردنا تحصيلها.

فما البديل؟

أن ننظر إلى السيرة النبوية وسيرة الصحابة باعتبارها صورة حياةٍ كاملة بلا انتقائية.

فتشمل المواقف العالية، والمواقف المتوسطة، وحتى لحظات الضعف. وتشمل أوقات الضيق وأوقات السعة، والحياة الخاصة والأسرية والاجتماعية، وأوقات السلم والحرب.

فتتحوّل حينئذٍ إلى قدوةٍ حقيقية.

فلا يكفي أن أقف أمام المشهد فأُبدي الإعجاب والإلهام؛ بل لا بدّ أن أسأل: ما الذي أوصل هذا الشخص إلى أن يقدر على هذه الخطوة؟ وما الذي يمنعني أنا؟ — حتى أردم الفجوة وأستفيد فعلًا.


فوائد قصة صاحب الرغيف

أولًا: خطر العزلة

فالرجل كان يتعبّد في صومعةٍ سبعين سنة، لا ينزل إلا يومًا واحدًا.

وهذا التعبّد الاعتزالي كان معروفًا في بني إسرائيل. أما ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو الاتصال والاختلاط.

قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (رواه الترمذي).

فالدين في أصله جاء لأجل الإصلاح المجتمعي والتأثير في الناس.

ولذلك جاء الإسلام محرّمًا الرهبانية، ووصفها الله بأنها إحداث: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْالحديد: ٢٧.

وقفة: الحضانة والصومعة

وثمّة فرقٌ مهمّ:

فإن كانت العزلة حضانةً — أي فترةً فيها تربيةٌ تكفل للإنسان أن يصمد بعدها في الاحتكاك الاجتماعي — فهذه نافعة.

وأما إن كانت مجرّد صومعة — أي مكانٍ مغلقٍ لا يجري فيه بناءٌ ولا تربيةٌ ولا تحصين — فهذه خطر.

ودليل ذلك أن سبعين سنةً من التعبّد لم تكفل له العصمة.

وهذه مشكلتنا

ونحن نعيش حالةً من التناقض: نعتقد شيئًا ونعيش شيئًا آخر؛ لأن التيار العامّ في المجتمع يسير في اتجاهٍ آخر.

فمن أراد أن يعيش الحياة التي يعتقد أنها صحيحة يواجه أزمة: إمّا أن يعيشها في المجتمع فيُعاني، وإمّا أن يعزل نفسه.

وأما عزل الطفل الصغير فيمكن حتى سنّ المدرسة؛ فإذا خرج شعر بأنه غريب. والغريب مثيرٌ للانتباه، والممنوع مرغوب. فقد ينقلب الأمر إلى أن يرى أن أبويه ظلماه وأنه يريد أن يأخذ نصيبه.

فما الحلّ؟

أولًا: أن نعلم أن الهداية بيد الله؛ فالقلوب مملوكةٌ لربّ العالمين، لا يملكها أحد.

فقد يبذل الإنسان الجهد ولا يرى الثمرة التي يرجوها.

وأشدّ ما يُبيّن ذلك قصة نوح عليه السلام مع ابنه — نبيٌّ وابنه يكفر بالله. وهل يُقال إن في النبي تقصيرًا؟ قطعًا لا.

وأشدّ منه ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع عمّه أبي طالب؛ وقد اجتمعت كلّ الدواعي: فهو يُحبّه، وقد كفله من صغره، وحماه عشر سنين، ويعتقد يقينًا أن ابن أخيه صادق، ولا يخاف بطشًا ولا سلطانًا.

ومع ذلك مات على ملّة عبد المطلب — تعظيمًا للآباء، ولئلّا تُعيّره قريش.

فأنزل الله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَالقصص: ٥٦.

وثانيًا: البناء الصحيح

وأما المطلوب منّا فهو البناء؛ وأركانه:

محبّة الله — عبر التذكير الدائم بفضله ونعمه.

محبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم — عبر الحديث المتّصل عن شخصه وخلاله وأخلاقه، وعن محبّة الله له، وأن لولا بعثته لكنّا في شرّ حال.

قيمة الدين في الحياة — وأن كلّ ما يطلبه الإنسان من سعادةٍ إنما هو في قربه من الله.

قيمة القرآن وعظمته.

أهمية الصلاة.

فهذه هي الأركان التي ينبغي أن تُغرس بقوّة حتى تكون عمودًا أساسيًّا في نفس أيّ فتًى من المسلمين.

وثالثًا: الحفظ من الله

وكان سعيد بن المسيّب رحمه الله يقول لابنه: يا بنيّ، لأزيدنّ في صلاتي من أجلك؛ رجاء أن أُحفظ فيك.

وأصله قوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَالكهف: ٨٢.

وقوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًاالنساء: ٩.

تحذير: لا تجعل الدين في دائرة السلطة

ومن أخطر ما نقع فيه: أن يدخل الدين في إطار السلطة والقهر.

فالشابّ إذا رهق — كما يرهق أيّ شاب — واحتاج أن يُثبت ذاته أمام صاحب السلطة، فسيُعاند.

فإن كان الدين هو أداة الضغط عليه — «صلِّ»، «احفظ»، «راجع» — فسيكون هو أول ما يتمرّد عليه.

وأما إن كان الدين في دائرة علاقته بالله وأُعطي مفاتيحه، فإنه حين يريد أن يُعاند سيُعاند في أشياء أخرى — أما هذا فسيعرف أنه شيءٌ بينه وبين ربه.

فالمشكلة أننا نحن الذين نضع الدين في هذا المحلّ.


وقفة: اجتناب مواطن الفتن

ومن الفوائد أن الإنسان ينبغي أن يتجنّب مواطن الفتنة أصلًا.

وقد جاء في الحديث ما معناه أن الله يُحبّ من عباده من يتجنّبه الفتن؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يُظلّهم الله: «ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله» (متفق عليه).

«العجب ممن نجا»

وكان في كلام السابقين: ليس العجب ممّن هلك كيف هلك؛ إنما العجب ممّن نجا كيف نجا.

فالأصل أن الفتن محيطة؛ فالهلاك هو المتوقّع بمقتضى الطبيعة. وأما من حفظه الله ومنّ عليه فهذا هو موضع العجب.

ولذلك جاء أن الله يعجب من الشابّ ليست له صَبوة؛ لأن هذا خلاف طبيعة السنّ وطبيعة الضعف تجاه المُغريات.

«والشباب شعبةٌ من الجنون»

وجاء في تفسير القرطبي في خطبةٍ لابن مسعود رضي الله عنه قوله: «والشباب شعبةٌ من الجنون».

أي أن فيه اندفاعًا يُخالف ما يقتضيه العقل المحض.

ولذلك لو لم يستند الشباب إلى حكمة القرآن أو حكمة الشيوخ لضاعت الدنيا.

لكن: جزءٌ من الاندفاع مطلوب

ومع ذلك، فجزءٌ من هذا الاندفاع مطلوب.

لأنه قد يكون من محفّزات التغيير والإصلاح؛ فلو كان كلّ شيءٍ بالحساب لما تحرّكت الدنيا.

فالعقل آلة حساب؛ وكثرة الحساب غالبًا تُؤدّي إلى اللا نتيجة.

فالمطلوب إذًا: أن يكون الاندفاع في دائرة الترشيد لا الإلغاء.


خلاصة القصة الأولى

أولًا: ألّا يغترّ الإنسان بعبادته أو طاعته.

فهنا أمران: لا هي كانت سبب العصمة، ولا هي كانت ميزانًا أرجح.

فلا يركن الإنسان إلى سالف خيرٍ فيستهين بمعصية.

ثانيًا: ألّا يركن أولاده إلى أن أباهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيظنّوا أنهم في مأمن.

ثالثًا: أن الإيثار والإحسان عظيم الأثر في الميزان؛ فقد يقع عند الله في المحلّ الأعلى.


القصة الثانية: العبد العاصي وسقيا موسى

رُوي أنه أصاب بني إسرائيل قحطٌ على عهد موسى عليه السلام.

فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله، ادعُ لنا ربك أن يسقينا الغيث.

فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون.

فقال موسى عليه السلام: إلهي، اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُّضّع والبهائم الرُّتّع والمشايخ الرُّكّع.

فما ازدادت السماء إلا تقشّعًا، والشمس إلا حرارة.

فأوحى الله إليه: فيكم عبدٌ يُبارزني منذ أربعين سنةً بالمعاصي؛ فنادِ في الناس حتى يخرج من بين أظهركم، فبه منعتكم.

فقال موسى: إلهي وسيدي، أنا عبدٌ ضعيف وصوتي ضعيف؛ فأين يبلغ وهم سبعون ألفًا أو يزيدون؟

فأوحى الله إليه: منك النداء ومنّا البلاغ.

فقام مناديًا: أيها العبد العاصي الذي يُبارز الله منذ أربعين سنة، اخرج من بين أظهرنا؛ فبك مُنعنا المطر.

فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم يرَ أحدًا خرج؛ فعلم أنه المطلوب.

فقال في نفسه: إن أنا خرجتُ من بين هذا الخلق افتضحتُ على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدتُ معهم مُنعوا لأجلي.

فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله وقال: إلهي وسيدي، عصيتُك أربعين سنةً وأمهلتني، وقد أتيتُك طائعًا فاقبلني.

فلم يستتمّ الكلام حتى ارتفعت سحابةٌ بيضاء فأمطرت كأفواه القِرَب.

فقال موسى: إلهي وسيدي، بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟

قال: يا موسى، سقيتُكم بالذي به منعتُكم.

فقال موسى: إلهي، أرني هذا العبد الطائع.

فقال: يا موسى، إني لم أفضحه وهو يعصيني؛ أفأفضحه وهو يُطيعني؟ يا موسى، إني أُبغض النمّامين؛ أفأكون نمّامًا؟

وقفة: قانون البلاء والرفع

فهذا يُقرّر سنّةً إلهية؛ وقد قال العباس رضي الله عنه في استسقاء عمر في عام الرمادة: «اللهم إنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنب، ولم يُرفع إلا بتوبة».

قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍالشورى: ٣٠.

وقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْآل عمران: ١٦٥.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطر من السماء؛ ولولا البهائم لم يُمطروا» (رواه ابن ماجه).

فالأمر مقدّماتٌ ونتائج، وأسبابٌ ومسبَّبات: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْالأنفال: ٥٣.

وقفة: واحدٌ في سبعين ألفًا

وسؤال: أيُعقل أن يكون في سبعين ألفًا رجلٌ واحدٌ فحسب هو الذي أوقف الأمر كلّه؟

والظاهر — والله أعلم — أن هذا كلّه إنما كان لأجل هذا الرجل نفسه؛ فقد أراد الله أن يتوب عليه، فهيّأ له السبب.

وإلا فأمّةٌ بهذا العدد لا بدّ أن يكون فيها جمعٌ من العصاة — وكلّنا كذلك.

لكنّ الله هيّأ هذا الموقف العظيم ليرجع هذا العبد إليه.

وقفة: أزمة الرجل

فقد صار بين أمرين:

إن لم يخرج، مُنع الناس بسببه — وهو لا يرضى أن يكون سببًا لبلاءٍ يلحق بقوم.

وإن خرج، افتُضح بين هؤلاء الناس فضيحةً لا تُرفع أبدًا.

فوجد المخرج: أن يُدخل رأسه في ثيابه فلا يراه أحد، ثم يتوجّه إلى الله.

وقفة: كلماتٌ محت أربعين سنة

فتأمّل: مساحةٌ زمنية طويلة من المعصية، ثم يخرج منها العبد ويُطهّره الله ويُزكّيه بكلماتٍ يسيرة.

فقف مع قدر رحمة الله وكرمه؛ وقف في المقابل مع قدر تخسير الإنسان في حقّ نفسه.

فليس المطلوب منه ليفيء إلى الله إلا أن يريد — وأن يتوجّه إليه إرادةً صادقة.

وقفة: التضرّع

ولذلك قال تعالى: فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَالأنعام: ٤٢–٤٣.

ولاحظ أنه لم يذكر أفعالًا ولا صلواتٍ ولا زكوات؛ وإنما ذكر التضرّع — وهو التخشّع والتذلّل والالتجاء.

وقفة: «أفأكون نمّامًا؟»

وهذه من أعجب ما في القصة: أن الله لم يكشفه وهو يعصيه؛ أفيكشفه وهو يُطيعه؟

وفيها تعليمٌ عظيمٌ في باب الستر.


القصة الثالثة: اللصّ والحواريّ

عن مُهيب بن وَرد قال: بلغنا أن عيسى عليه السلام مرّ هو ورجلٌ من الحواريّين بلصٍّ من لصوص بني إسرائيل.

فلمّا رآهما اللصّ ألقى الله في قلبه التوبة.

فقال لنفسه: هذا عيسى بن مريم روح الله وكلمته، وهذا حواريّه؛ ومن أنت يا شقيّ؟ لصّ بني إسرائيل! قطعتَ الطريق، وأخذتَ الأموال، وسفكتَ الدماء.

ثم هبط إليهما نادمًا على ما كان منه.

فلمّا لحقهما قال لنفسه: أتريد أن تمشي معهما؟ لستَ لذلك بأهل؛ امشِ خلفهما كما يمشي الخاطئ المذنب.

فالتفت إليه الحواريّ فقال في نفسه: انظر إلى هذا الخبيث الشقيّ يمشي وراءنا!

فاطّلع الله على ما في قلبيهما: من ندامة هذا وتوبته، ومن ازدراء الحواريّ إياه وتزكيته نفسه عليه.

فأوحى الله إلى عيسى عليه السلام: أن مُر الحواريَّ ولصَّ بني إسرائيل أن يستأنفا العمل جميعًا؛ أما اللصّ فقد غفرتُ له ما مضى لندامته وتوبته، وأما الحواريّ فقد أحبطتُ عمله لعُجبه بنفسه وازدرائه هذا التائب.

وقفة: نموذجٌ يُؤثّر بلا كلام

فلاحظ: عيسى عليه السلام لم يقل شيئًا؛ إنما مرّ فحسب.

لكنّ الصورة نفسها كانت مؤثّرة: فالنموذج المضيء المشرق في المجتمع يُؤثّر — تكلّم أو لم يتكلّم.

فلمّا رآه اللصّ راجع نفسه واستشعر مقدار سوء حاله.

وقفة: كيف حبط عمل الحواريّ؟

فتأمّل: رجلٌ بلغ أن يكون من حواريّي المسيح عليه السلام؛ فيفقد كلّ آثار هذه الصحبة وكلّ ما عمل — لمجرّد شعور.

شعورِ الاحتقار والازدراء لإنسانٍ تائب.

ولاحظ أنه لم يطّلع على توبته أصلًا! وإنما نظر إليه نظرة الازدراء.

ولماذا كان هذا مُحبطًا؟

لأنه بهذه النظرة يبني حاجزًا بينه وبين هذا الشخص.

فمن نظر إلى إنسانٍ هذه النظرة لن يحرص على أن يأخذ بيده، ولا أن يتودّد إليه، ولا أن يكتب له الخير — لأنه يراه بعين الازدراء؛ فلا يلتفت إليه.

حقيقة الكبر

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبر». فقال رجل: إن الرجل يُحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. فقال: «إن الله جميلٌ يُحبّ الجمال؛ الكِبر بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس» (رواه مسلم).

فـبَطَر الحقّ ردُّه، وغَمْط الناس احتقارهم وانتقاصهم.

نظيره: «والله لا يغفر الله لفلان»

ونظير هذا ما حكاه صلى الله عليه وسلم عن رجلين من بني إسرائيل كانا متآخيين: أحدهما مجتهدٌ في العبادة، والآخر مُسرفٌ على نفسه.

فكان المجتهد كلّما رأى صاحبه على معصيةٍ قال: أقصِر!

فوجده يومًا على ذنب فقال: أقصِر. فقال: خلّني وربي؛ أبُعثتَ عليّ رقيبًا؟

فقال: والله لا يغفر الله لك — أو: لا يُدخلك الله الجنة.

فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند ربّ العالمين. فقال للمجتهد: «أكنتَ بي عالِمًا؟ أو كنتَ على ما في يدي قادرًا؟» وقال للمذنب: «اذهب فادخل الجنة برحمتي». وقال للآخر: «اذهبوا به إلى النار».

قال أبو هريرة رضي الله عنه: والذي نفسي بيده، لقد تكلّم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته (رواه أبو داود).

وقفة: ما الخطأ في «أقصِر»؟

فالنصح في ذاته حسن. لكنّ المشكلة أنه لم ينفع؛ لأنه مجرّد زجر بلا علاج.

فالرجل يعلم أنه ليس على خير. وإنما عنده نقاط ضعف؛ فلا بدّ من شيءٍ إيماني يُبنى في داخله يجعله قادرًا على مقاومة الضعف والشيطان وشهوات النفس.

والزجر وحده لا يُنتج ذلك.


وقفة: «المؤمن القويّ»

ونظيره حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير».

فتأمّل: جعلهما مستويين في أصل الإيمان — قويٌّ وضعيف — لكنه قال: «وفي كلٍّ خير».

فما دام ثمّة إيمانٌ ففيه خير.

ثم أرشد إلى الطريق

ثم لم يقف عند التوصيف؛ بل قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (رواه مسلم).

فهذا برنامجٌ عملي لصاحب الإيمان الضعيف حتى يرتقي:

«احرص على ما ينفعك» — والحرص على النفع لا مطلق الحرص؛ فقد يكون عند الإنسان طموحٌ كبير لكن فيما يظنّ أنه ينفعه وهو في الحقيقة يضرّه.

والنافع ما حقّق له الخير في المعاش والمعاد — أي أن تكون الدنيا طريقًا لرضوان الله.

«واستعن بالله» — فليست القضية ثقةً بالذات؛ وإنما ثقةٌ بالله، وبرحمته وعطائه وإجابته: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاالعنكبوت: ٦٩.

«ولا تعجز» — والعجز شعور الإنسان بعدم المقدرة؛ أنه فشل مرارًا فلن يعرف أن ينجح. فلا يتّخذ من التجربة سلاحًا يكسر به نفسه.

لماذا أُفردت الاستعانة في الفاتحة؟

قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُالفاتحة: ٥.

والاستعانة جزءٌ من العبادة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» (رواه أبو داود والترمذي).

فلماذا أُفردت؟

لأنها جزءٌ مهمٌّ جدًّا — بل إن كلّ ما في «إياك نعبد» متوقّفٌ عليها. فلو لم توجد استعانة لم توجد عبادة.

وصية معاذ

وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «يا معاذ، والله إني لأُحبّك». فقال: وأنا والله يا رسول الله إني لأُحبّك.

فقال: «فلا تدعنّ في دُبُر كلّ صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أبو داود).

فتأمّل: هي هديّةٌ ساقها إليه علامةً على المحبّة. وما فيها؟ أن يطلب من الله الإعانة على الذكر والشكر وحسن العبادة.


الخلاصة

من القصة الأولى

أن مواقع الأعمال وموازينها عند الله ربما تكون على خلاف ما يظنّ كثيرٌ من الناس.

وأن الإحسان والإيثار ربما كان أعظم أجرًا من مجرّد التعبّد.

وألّا يركن الإنسان إلى عبادته ولا يثق بها؛ لأنه لا يدري أقُبلت أم لا.

قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَالمؤمنون: ٦٠.

وقد سألت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟

قال: «لا يا بنت الصدّيق؛ ولكنه الرجل يصوم ويتصدّق ويُصلّي وهو يخاف ألّا يُتقبّل منه» (رواه الترمذي).

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: لو أعلم أن الله تقبّل مني سجدةً واحدة لتمنّيتُ الموت؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَالمائدة: ٢٧.

من القصة الثانية

أن الله ربما هيّأ للإنسان ظروفًا وأحداثًا لتجذبه إليه الجذبة القوية التي يحتاجها.

من القصة الثالثة

ألّا يحتقر الإنسان أحدًا، ولا يحتقر عمل عامل؛ وأن يرجو للناس الخير.

وأن يخاف — إذا رزقه الله برًّا أو إحسانًا — أن يقع عمله في دائرة الحبوط بالعُجب أو الغرور أو الكِبر أو المنّ على الله.

قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَالحجرات: ١٧.

وقال: وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْالمدثر: ٦–٧.

فالفضل والمنّة لله

وكان الصحابة يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلّينا» (متفق عليه).

قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَيونس: ٥٨.

وقال: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَالأعراف: ٤٣.

أقول قولي هذا وأستغفر الله؛ سبحانك اللهم وبحمدك.